تواصل أسعار المحروقات في لبنان استنزاف جيوب المواطنين، مع الارتفاع الكبير في كلفة البنزين والمازوت، بالتزامن مع التوترات العسكرية في المنطقة وانعكاساتها على أسواق الطاقة العالمية. غير أنّ هذه الزيادات لا ترتبط فقط بأسعار النفط العالمية، إذ يرى خبراء أنّ السياسات الضريبية وكلفة الاستيراد والرسوم المحلية تؤدّي دورًا أساسيًا في تحديد السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.
وفي هذا الإطار، يطرح الخبير الاقتصادي والنقدي راجح ملاعب، في حديث لموقع «MTV»، مجموعة من الإجراءات التي يعتبر أنّها قد تساهم في خفض أسعار المحروقات بصورة ملحوظة، وصولًا إلى تقليص كلفة صفيحة البنزين إلى أقل من نصف سعرها الحالي، إذا جرى اعتماد إصلاحات جذرية في قطاع الطاقة.
أسعار النفط العالمية ليست السبب الوحيد
على الرغم من الارتفاع الذي تشهده أسعار النفط عالميًا نتيجة التوترات والحروب في المنطقة، فإنّ هذه العوامل لا تفسّر وحدها الزيادة الكبيرة في أسعار المحروقات في لبنان، إذ تلعب تكاليف التكرير والنقل والتأمين، فضلًا عن الضرائب والرسوم الحكومية، دورًا أساسيًا في تحديد السعر النهائي الذي يدفعه المواطن.
والمفارقة أنّ سعر برميل النفط الخام بلغ نحو 147 دولارًا عام 2008، فيما كانت أسعار المحروقات في لبنان أقل ممّا هي عليه اليوم، رغم أنّ سعر البرميل يتراوح حاليًا حول 100 دولار، وفق الأرقام الواردة في التقرير. ويُبرز هذا التفاوت تأثير الأعباء الإضافية التي تدخل في احتساب أسعار البنزين والمازوت، والتي قد ترفع كلفتهما بصورة ملحوظة.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي والنقدي راجح ملاعب أنّ بإمكان الدولة اللبنانية اتخاذ مجموعة من الإجراءات والقرارات التي من شأنها تخفيف هذه الأعباء، معتبرًا أنّ مراجعة الرسوم والسياسات المعتمدة في قطاع المحروقات قد تساهم في خفض سعر الصفيحة إلى أقل من نصف قيمتها الحالية.
دعوة إلى إعادة النظر في الالتزامات البيئية
ومن بين المقترحات التي يقدّمها ملاعب، إعادة تقييم التزامات لبنان بموجب اتفاق باريس للمناخ، وصولًا إلى البحث في إمكان الانسحاب منه بصورة مؤقتة، على غرار الخطوة التي اتّخذتها الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب. ويرى أنّ هذه الخطوة قد تمنح لبنان مرونة أكبر في تنويع مصادر استيراد المحروقات والحصول عليها بأسعار أقل، معتبرًا أنّ الأعباء الاقتصادية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة تستدعي مراجعة السياسات المعتمدة. ويشير إلى أنّ ارتفاع كلفة المازوت قد يدفع بعض المواطنين إلى الاعتماد على الحطب للتدفئة، ما يزيد الضغوط على المساحات الحرجية والبيئة اللبنانية. ويستشهد ملاعب بالفروقات بين أسعار البنزين في ولايتَي كاليفورنيا ونيفادا الأميركيتين، معتبرًا أنّ اختلاف السياسات والرسوم البيئية قد ينعكس على الأسعار التي يتحمّلها المستهلكون.
إلغاء الرسوم وتخفيف الضرائب على المحروقات
ولا تقتصر الحلول التي يقترحها ملاعب على الجانب البيئي، إذ يدعو الحكومة اللبنانية إلى مراجعة الرسوم الجمركية والضرائب المفروضة على المشتقّات النفطية، خصوصًا في ظل الظروف الاستثنائية التي تشهدها الأسواق العالمية. ومن أبرز الإجراءات التي يقترحها إلغاء الرسم البالغ 300 ألف ليرة لبنانية على صفيحة البنزين، إلى جانب تشديد الرقابة على قطاع الاستيراد للحدّ من أي زيادات غير مبرّرة في الأسعار. ويعتبر أنّ تخفيف هذه الأعباء قد ينعكس إيجابًا على القدرة الشرائية للمواطنين، ويساهم في تقليل تكاليف النقل والخدمات الأساسية.
نوعان من المازوت لتخفيف أعباء التدفئة
أمّا في ما يتعلّق بالمازوت، فيقترح ملاعب اعتماد نظام يميّز بين الوقود المخصّص للآليات التي تستخدم الطرقات، وذلك المخصّص للتدفئة والمعدّات الثابتة. ويوضح أنّ بعض الولايات الأميركية تعتمد هذا التمييز، بحيث يخضع المازوت المستخدم في النقل لرسوم تموّل صيانة الطرق، فيما يُباع الوقود المخصّص للتدفئة والاستخدامات غير المرورية بكلفة أقل. وبحسب تقديراته، قد يساهم تطبيق نموذج مشابه في لبنان في خفض سعر صفيحة المازوت المخصّص للتدفئة بنحو أربعة دولارات. كما يدعو إلى مراجعة ضريبة القيمة المضافة المفروضة على المازوت، بالإضافة إلى تكاليف التأمين المرتبطة باستيراده، مشدّدًا على أنّ أي انخفاض في سعر هذه المادة سينعكس على قطاعات اقتصادية واسعة. فالمازوت، بحسب ملاعب، يشكّل عنصرًا أساسيًا في تشغيل المولّدات والمصانع ووسائل النقل والقطاعات الإنتاجية، وبالتالي فإنّ خفض سعره قد يساعد في الحدّ من التضخّم وتراجع كلفة الكهرباء والمواد الغذائية والخبز وغيرها من السلع الأساسية.
مصافي نفط في لبنان.. هل تصبح الصفيحة بـ10 دولارات؟
وعلى المدى الطويل، يرى ملاعب أنّ معالجة أزمة المحروقات تتطلّب أكثر من تخفيض الضرائب والرسوم، داعيًا إلى وضع استراتيجية وطنية تستفيد من موقع لبنان الجغرافي وصلاته المحتملة بممرّات الطاقة والتجارة في المنطقة. ويقترح في هذا السياق فتح قنوات تعاون مع العراق وسوريا والأردن والسعودية، بهدف دراسة إمكانية إنشاء منشآت لتكرير النفط داخل الأراضي اللبنانية، بما يسمح بتأمين جزء من احتياجات السوق المحلية وتصدير المشتقّات النفطية إلى الأسواق المجاورة. كما يلفت إلى أهمية مشاريع الربط النفطي الإقليمية، ومنها خط البصرة–بانياس–طرابلس، باعتبارها فرصًا يمكن البناء عليها لتطوير البنية التحتية لقطاع الطاقة.
وبحسب تصوّره، فإنّ نجاح لبنان في إنشاء قطاع تكرير محلّي فعّال قد يساهم في خفض كلفة المحروقات بصورة كبيرة، مشيرًا إلى إمكانية وصول سعر صفيحة البنزين إلى حدود عشرة دولارات، وهو تقدير يبقى مرتبطًا بتكاليف الاستثمار والتشغيل وأسعار النفط والرسوم المطبّقة.
هل تنعكس الحلول المقترحة على معيشة اللبنانيين؟
يؤكّد ملاعب أنّ تخفيض أسعار المحروقات لا يقتصر أثره على أصحاب السيارات، بل يمتدّ إلى مختلف جوانب الحياة الاقتصادية، من فواتير الكهرباء والنقل إلى أسعار المنتجات الغذائية والخدمات. وبين الإجراءات السريعة المرتبطة بتخفيف الضرائب، والمشاريع البعيدة المدى الهادفة إلى تطوير قطاع التكرير، تبقى هذه الطروحات بحاجة إلى دراسات اقتصادية ومالية وفنية لتحديد مدى قابليتها للتنفيذ وكلفتها الفعلية.
وفي انتظار أي خطوات رسمية، يظلّ المواطن اللبناني أمام أعباء متزايدة، فيما يتجدّد النقاش حول قدرة الدولة على اتخاذ قرارات تخفّف كلفة الطاقة وتدعم النشاط الاقتصادي.
جارٍ تحميل الاستطلاع…