شهدت الأسواق العالمية تحركات متباينة في أسعار الذهب والنفط، اليوم الثلاثاء 13 تشرين الأول 2026، إذ اتجه المعدن الأصفر نحو الارتفاع بدعم من تراجع أسعار الطاقة وترقب المستثمرين بيانات التضخم الأمريكية، في حين تعرض النفط لضغوط بيعية نتيجة توقعات بزيادة الإمدادات الروسية، رغم استمرار المخاطر الجيوسياسية التي تهدد منشآت الطاقة وخطوط الملاحة في منطقة الخليج.

وتأتي هذه التطورات في وقت تراقب فيه الأسواق توجهات مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي بشأن أسعار الفائدة، وسط مخاوف من انعكاسات التوترات الإقليمية على إمدادات الطاقة والتضخم العالمي.

أسعار الذهب تواصل الارتفاع

سجّلت أسعار الذهب مكاسب جديدة في التعاملات المبكرة، حيث ارتفع سعر الأوقية في السوق الفورية بنسبة 0.4% ليصل إلى 4188.27 دولاراً بحلول الساعة 06:24 بتوقيت غرينتش، بعدما بلغ المعدن النفيس أعلى مستوياته خلال أسبوع في جلسة الاثنين.

كما صعدت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم كانون الأول بنسبة 0.5%، لتصل إلى 4212.50 دولاراً للأوقية.

وجاء هذا الارتفاع بالتزامن مع انخفاض أسعار النفط، ما ساهم في تخفيف بعض المخاوف المرتبطة بالتضخم، وأعاد اهتمام المستثمرين بالمعدن الأصفر في ظل حالة عدم اليقين التي تسيطر على الأسواق المالية.

ويُعد الذهب من أبرز أدوات التحوط في فترات الاضطرابات الاقتصادية والسياسية، إلا أن تحركاته تبقى مرتبطة أيضاً بمستويات الفائدة الأمريكية، نظراً إلى أن ارتفاع العوائد على الأصول المالية قد يقلل من جاذبية الذهب الذي لا يدر عائداً دورياً.

بيانات التضخم الأمريكية تحت أنظار المستثمرين

تترقب الأسواق صدور بيانات مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة يوم الأربعاء 14 تشرين الأول، تليها أرقام أسعار المنتجين يوم الخميس 15 تشرين الأول، في انتظار مؤشرات جديدة حول اتجاه التضخم والسياسة النقدية الأمريكية.

وتكتسب هذه البيانات أهمية خاصة لأنها قد تؤثر في توقعات قرارات الاحتياطي الفدرالي خلال الاجتماعات المقبلة، وبالتالي في حركة الدولار وعوائد السندات وأسعار المعادن النفيسة.

ويرى محللون أن تسجيل معدلات تضخم أعلى من التوقعات، خصوصاً على مستوى التضخم الأساسي، قد يعزز احتمالات تشديد السياسة النقدية أو الإبقاء على الفائدة مرتفعة، وهو سيناريو قد يشكل ضغطاً على الذهب.

وفي هذا السياق، اعتبر كايل رودا، كبير محللي الأسواق المالية في شركة كابيتال دوت كوم، أن أرقام التضخم المرتقبة ستكون عاملاً أساسياً في تحديد مسار الذهب على المدى القصير.

وبحسب الاحتمالات الواردة في بيانات أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة CME، بلغت التقديرات المتعلقة برفع الفائدة الأمريكية 19% لشهر تشرين الأول، مقابل 85% لشهر كانون الأول، وفق الأرقام المتداولة في التقرير.

أسعار النفط تنخفض بعد مكاسب الجلسة السابقة

على الجانب الآخر، تراجعت أسعار النفط في التعاملات المبكرة، مقتربة من تسجيل أول انخفاض لها منذ نحو أسبوع، بعد موجة صعود غذّتها المخاوف المتعلقة بأمن إمدادات الطاقة في الشرق الأوسط.

وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 1.18 دولار، أي نحو 1.1%، لتصل إلى 105.47 دولارات للبرميل بحلول الساعة 06:25 بتوقيت غرينتش.

كذلك تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 1.17 دولار، أو ما يعادل 1.3%، ليسجل 92.57 دولاراً للبرميل.

وكان الخامان قد حققا مكاسب قاربت دولارين للبرميل خلال جلسة الاثنين، فيما سجّل خام برنت أعلى مستوى إغلاق له منذ 15 أيلول الماضي.

ويعكس التراجع الحالي محاولة الأسواق الموازنة بين احتمالات تحسن المعروض العالمي واستمرار الأخطار المرتبطة بالتوترات العسكرية والهجمات التي قد تستهدف منشآت النفط والغاز أو طرق الشحن البحري.

الإمدادات الروسية تضغط على أسواق الطاقة

برزت التطورات المتعلقة بصادرات الوقود الروسي كأحد العوامل المؤثرة في أسعار النفط، بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن موافقة روسيا على ضخ المزيد من الديزل في الأسواق العالمية، إلى جانب تخفيف مؤقت للعقوبات الأمريكية المفروضة على بعض إمدادات الوقود الروسي.

ومن شأن زيادة كميات الديزل المتاحة أن تساهم في تخفيف الضغوط على أسواق الوقود العالمية، ولا سيما في ظل المخاوف السابقة من نقص الإمدادات وارتفاع أسعار المشتقات النفطية.

لكن هذه التوقعات لا تزال محاطة بالغموض، خصوصاً مع استمرار الشكوك حول مدى صمود التفاهمات المتعلقة بوقف استهداف منشآت الطاقة بين روسيا وأوكرانيا.

وفي هذا الإطار، أشار محللون لدى بنك ING إلى استمرار المخاوف بشأن تنفيذ التفاهمات، في ظل تقارير عن هجمات طالت منشآت طاقة أوكرانية بعد الإعلان عنها.

كما أثارت الترتيبات المتعلقة بإمدادات الطاقة الروسية تساؤلات قانونية في الولايات المتحدة، حيث شكك مشرعون من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في مدى توافقها مع التشريعات التي تقيد استيراد الطاقة الروسية في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا.

توترات الخليج تحد من خسائر النفط

على الرغم من الضغوط الناجمة عن احتمالات زيادة المعروض، لا تزال التطورات الأمنية في منطقة الخليج تشكل عاملاً رئيسياً في حركة أسعار الخام.

وتزايدت المخاوف من اتساع نطاق الهجمات التي تستهدف منشآت الطاقة وطرق النقل البحري، بعد تقارير عن هجوم صاروخي استهدف مطار الرياض خلال عطلة نهاية الأسبوع، تبنّته جماعة الحوثيين اليمنية، وأسفر، بحسب المعلومات الواردة في التقرير، عن سقوط ضحايا وتعطيل حركة المطار.

وتزامنت هذه التطورات مع تقارير بشأن هجمات على ناقلات قرب مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم.

وتخشى الأسواق أن تؤدي أي اضطرابات إضافية في المنطقة إلى تعطيل حركة الشحن أو التأثير في إنتاج وتصدير النفط، ما قد يعيد الأسعار إلى الارتفاع حتى في حال تحسن الإمدادات من مناطق أخرى.

ويرى تيم ووترر، كبير محللي الأسواق لدى KCM Trade، أن زيادة إمدادات الديزل الروسي واستقرار التدفقات النفطية السعودية يوفران بعض الدعم لتوازن السوق، إلا أن المخاطر المتعلقة بأمن السفن وخطوط الأنابيب في الخليج لا تزال مصدر قلق للمستثمرين.

وبحسب هذا التقييم، فإن استمرار التوترات من دون مؤشرات واضحة على التهدئة قد يحافظ على الضغوط الصعودية لأسعار الطاقة.

أوبك تخفض توقعاتها لنمو الطلب العالمي

وفي تطور آخر، برزت مراجعة منظمة البلدان المصدرة للنفط «أوبك» لتوقعاتها المتعلقة بنمو الطلب العالمي على الخام.

فقد أشار الأمين العام للمنظمة، هيثم الغيص، إلى خفض التوقعات لنمو الطلب خلال العام الجاري إلى 400 ألف برميل يومياً، مقارنة بتقديرات سابقة بلغت 1.4 مليون برميل يومياً في بداية العام.

وتعكس هذه المراجعة تزايد الحذر بشأن آفاق استهلاك الطاقة عالمياً، وقد تشكل عاملاً إضافياً في تقييم المستثمرين لمستقبل التوازن بين العرض والطلب.

الفضة والبلاتين يرتفعان والبلاديوم يتراجع

لم تقتصر التحركات على الذهب والنفط، إذ شهدت المعادن النفيسة الأخرى تغيرات متفاوتة في التعاملات الفورية.

وارتفعت الفضة بنسبة 0.2% لتصل إلى 60.46 دولاراً للأوقية، كما صعد البلاتين بنسبة 0.5% ليسجل 1694.65 دولاراً.

في المقابل، تراجع البلاديوم بنسبة 0.2%، ليبلغ 1141.23 دولاراً.

وتعكس هذه التحركات اختلاف العوامل المؤثرة في كل معدن، بين الطلب الاستثماري والاستخدامات الصناعية وتوقعات النشاط الاقتصادي العالمي.

إلى أين تتجه أسعار الذهب والنفط؟

تترقب الأسواق خلال الأيام المقبلة مجموعة من التطورات التي قد تحدد الاتجاه القادم للذهب والنفط، وفي مقدمتها بيانات التضخم الأمريكية وقرارات السياسة النقدية، إلى جانب مسار الإمدادات الروسية والتطورات الأمنية في الخليج.

فإذا أظهرت بيانات التضخم تباطؤاً ملحوظاً، فقد تتراجع توقعات تشديد السياسة النقدية، وهو ما قد يوفر دعماً إضافياً للذهب. أما استمرار الضغوط التضخمية، فقد يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم احتمالات الفائدة الأمريكية.

وفي سوق النفط، يبقى التوازن بين تحسن المعروض واحتمالات تعطل الإمدادات العامل الأكثر تأثيراً، خصوصاً مع استمرار حساسية الأسواق لأي تطورات مرتبطة بأمن الطاقة في الشرق الأوسط.

وبذلك، تتجه الأنظار إلى البيانات الاقتصادية والتطورات الجيوسياسية باعتبارها المحركات الأساسية لتحركات أسعار المعادن النفيسة والطاقة خلال الفترة المقبلة.

المصدر: الجزيرة

جارٍ تحميل الاستطلاع…