تتفاقم الأزمة المعيشية في لبنان، ولم تعد انعكاساتها محصورة بانخفاض الرواتب وتراجع القدرة الشرائية، بل امتدت لتطال الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي، في ظل الارتفاع المستمر للأسعار واتساع الفجوة بين مداخيل المواطنين والنفقات الأساسية للحياة اليومية.

ورغم استمرار توافر المواد الغذائية في الأسواق والمتاجر، فإن الحصول عليها بات يشكل تحدياً متزايداً لعدد كبير من العائلات اللبنانية، بعدما أصبحت أسعار العديد من السلع تفوق إمكاناتها المالية. ويثير هذا الواقع مخاوف متنامية من تفاقم انعدام الأمن الغذائي، خصوصاً لدى الأسر ذات الدخل المحدود والفئات الأكثر هشاشة.

أرقام مقلقة تكشف حجم الأزمة المعيشية

صورة من موقع الرسمي لليونيسف

كشفت بيانات حديثة صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، في تقرير نشرته بتاريخ 30 أيلول 2026، عن تفاقم الأوضاع المعيشية والاجتماعية التي تواجهها العائلات في لبنان، إذ أظهرت النتائج أن أربعاً من كل خمس أسر تواجه صعوبات في تحمّل تكاليف احتياجاتها الأساسية.

وبحسب التقرير، أفادت 22% من الأسر المشمولة بالاستطلاع بأن أطفالها ناموا وهم يشعرون بالجوع خلال الأسبوعين السابقين، فيما أشارت 31% من العائلات إلى عدم حصول أطفالها على الرعاية الصحية اللازمة، ويعود ذلك بصورة رئيسية إلى العجز عن تغطية نفقاتها. كذلك، كشفت 14% من الأسر عن وجود طفل واحد على الأقل منخرط في سوق العمل، وهي نسبة تزيد على ضعف المستوى المسجّل في كانون الثاني 2025.

وتعكس هذه المؤشرات حجم التحديات التي تواجه الأطفال والعائلات في لبنان، وسط استمرار الضغوط الاقتصادية والمعيشية وتداعيات النزاع، وما يرافقها من مخاطر متزايدة على الأمن الغذائي والصحة والتعليم والاستقرار الاجتماعي.

هل وصل لبنان إلى مرحلة المجاعة؟

على الرغم من خطورة الأوضاع المعيشية، يرى أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية، الدكتور جاسم عجاقة، أن لبنان لا يمر حالياً بمجاعة بالمعنى المعتمد في المرحلة الخامسة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، لكنه يواجه أزمة عميقة ومزمنة تهدد قدرة المواطنين على الوصول إلى الغذاء.

وفي حديث إلى صحيفة «نداء الوطن»، يوضح عجاقة أن المشكلة الأساسية لا تتمثل في اختفاء المنتجات الغذائية من الأسواق، بل في عجز أعداد متزايدة من المواطنين عن شرائها نتيجة الانهيار الاقتصادي وتراجع مستويات الدخل. فالمتاجر لا تزال تعرض مختلف أنواع المواد الغذائية، كما أن عمليات الاستيراد وسلاسل التوريد مستمرة بفضل نشاط القطاع الخاص، إلا أن الأسعار المرتفعة تجعل هذه المنتجات بعيدة عن متناول العديد من الأسر. وبالتالي، فإن استمرار توافر الغذاء لا يعني بالضرورة أن جميع المواطنين قادرون على الحصول عليه، وهو ما يعكس طبيعة الأزمة الغذائية التي يواجهها لبنان.

يشير عجاقة إلى أن جوهر المشكلة يرتبط بالتراجع الحاد في القدرة الشرائية، بعدما ارتفعت كلفة المواد الغذائية بوتيرة تفوق نمو المداخيل، ولا سيما تلك التي لا تزال تُدفع بالليرة اللبنانية. وقد أدى هذا الاختلال إلى تراجع قدرة الأسر على شراء احتياجاتها بصورة منتظمة، ودفع بعضها إلى تقليص كميات الغذاء المستهلكة أو الاستغناء عن بعض المنتجات الأساسية.

ويستند عجاقة في تفسيره إلى نظرية «الاستحقاق» التي طوّرها الاقتصادي أمارتيا سن، والتي توضح أن الأزمات الغذائية لا تنتج دائماً عن نقص الطعام، بل قد تنشأ عندما يفقد الأفراد الوسائل الاقتصادية التي تمكّنهم من الحصول عليه. فقد تكون المواد الغذائية متوافرة بكميات كافية، لكن انهيار الدخل أو تراجع قيمة المدخرات أو ضعف المساعدات الاجتماعية قد يحرم فئات من السكان من القدرة على شرائها. وبهذا المعنى، فإن الأمن الغذائي لا يرتبط بحجم المعروض في الأسواق فحسب، بل بقدرة المواطنين على تأمين الموارد المالية الضرورية لتلبية احتياجاتهم الغذائية.

ما الفرق بين الأزمة الحالية ومجاعة لبنان عام 1915؟

يختلف الواقع الغذائي الراهن عن الظروف التي شهدها لبنان خلال المجاعة الكبرى عام 1915، حين ساهمت الحرب والاضطرابات والحصار وتعطل الإمدادات في حدوث نقص حاد في الغذاء، إلى جانب الانهيار الاقتصادي. أما اليوم، فلا تزال السلع الغذائية تصل إلى الأسواق اللبنانية، فيما تتركز المشكلة في ارتفاع الأسعار وتدهور المداخيل، ما يحد من إمكانية حصول الأسر على احتياجاتها الأساسية.

وهذا الاختلاف لا يقلل من خطورة الأزمة الحالية، إذ يمكن أن يؤدي الحرمان الغذائي المستمر إلى تداعيات صحية واجتماعية خطيرة، حتى في غياب مجاعة شاملة على مستوى البلاد.

الخلاصة: تكشف الأزمة اللبنانية أن وجود الغذاء في الأسواق لم يعد ضمانة كافية لتحقيق الأمن الغذائي، ما دامت القدرة على شرائه تتراجع لدى فئات واسعة من السكان. وفي ظل استمرار الضغوط الاقتصادية، تبرز الحاجة إلى إجراءات تعزز المداخيل الحقيقية، وتوسع شبكات الحماية الاجتماعية، وتدعم الأسر الأكثر عرضة للفقر وانعدام الأمن الغذائي. ويبقى التحدي الأساسي أمام لبنان ليس تأمين وجود السلع الغذائية فحسب، بل ضمان قدرة المواطنين على الوصول إليها بصورة منتظمة، بما يحمي صحتهم وكرامتهم ويحد من اتساع الفجوة الاجتماعية.

جارٍ تحميل الاستطلاع…