تشهد فرنسا موجة من الاضطرابات والاحتجاجات تُعدّ من الأعنف خلال السنوات الأخيرة، بعدما تحوّلت مظاهرات احتجاجية على تدهور الأوضاع المعيشية ومشكلات قطاع التعليم إلى مواجهات مع قوات الأمن، تخلّلتها أعمال تخريب ونهب وإحراق سيارات ومبانٍ عامة في عدد من المدن.
وأعلنت السلطات الفرنسية توقيف نحو 2400 شخص خلال عطلة نهاية الأسبوع، وسط أضرار طالت آلاف المؤسسات التجارية والمتاجر، فيما امتدت النيران إلى مبنى بلدي تاريخي يعود إلى القرن التاسع عشر في مدينة ليموج. وجاءت هذه التطورات رغم مشاركة مئات الآلاف في تحركات سلمية للمطالبة بتحسين الظروف الاقتصادية ومعالجة المشكلات التي تواجه المدارس والمؤسسات التعليمية.
ماكرون يتوعّد بإجراءات صارمة
وأدان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعمال العنف التي رافقت الاحتجاجات، محمّلاً مجموعات من اليسار المتطرف، إلى جانب أشخاص استغلوا الفوضى لتنفيذ عمليات سرقة وتخريب، مسؤولية جانب كبير من الاضطرابات. وأكد أن الحكومة ستتعامل بحزم مع الاعتداءات على الممتلكات العامة والخاصة، مشدداً على ضرورة اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية المواطنين والمؤسسات التجارية. كما وجّه بإجراء مراجعة للثغرات الأمنية والاستخباراتية التي ربما أدت إلى عدم توقع حجم أعمال الشغب، بهدف تحسين استعداد الأجهزة المختصة لمواجهة أي تصعيد جديد.
دعوات إلى مظاهرات جديدة وحظر تجول جزئي
ورغم الإجراءات الأمنية المشددة، لا تزال احتمالات استمرار الاحتجاجات قائمة، بعدما دعت منظمات طلابية في المدارس والجامعات إلى تنظيم تحركات إضافية يومي الخميس والسبت. كذلك أعلنت مجموعات تسعى إلى إعادة إحياء حركة السترات الصفراء، التي ظهرت عام 2018، نيتها تنظيم مظاهرات جديدة يوم السبت، احتجاجاً على السياسات الحكومية وتحت شعارات تطالب برحيل ماكرون.
وفي محاولة لاحتواء التوتر، فرضت السلطات حظر تجول جزئياً في مناطق من باريس وليل ونيس، مع تعزيز انتشار قوات الأمن في المواقع الحساسة. من جانبه، أكد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو أن الحكومة لا تعتزم حالياً فرض حظر شامل للتجول في العاصمة، لكنه أبقى احتمال إعلان حالة الطوارئ مطروحاً إذا استدعت التطورات ذلك. وأشار إلى أن القيود الأمنية المفروضة في بعض الأحياء ساهمت في الحد من الاضطرابات خلال ساعات الليل.
مشاهد تعيد إلى الأذهان اضطرابات سابقة
وأعادت المواجهات الحالية إلى الذاكرة موجات العنف التي شهدتها فرنسا خلال احتجاجات السترات الصفراء عام 2018، حين اندلعت اشتباكات واسعة مع الشرطة، وتعرّضت متاجر ومبانٍ ومعالم تاريخية للتخريب. كما استحضرت الاضطرابات التي أعقبت مقتل مراهق برصاص الشرطة عام 2023، وأحداث عام 2005 التي استمرت لأسابيع ودفعت السلطات آنذاك إلى إعلان حالة الطوارئ.
ورأى الباحث المتخصص في شؤون الشرطة سيباستيان روش، من معهد ساينس بو غرونوبل، أن مستوى الأضرار المسجلة حالياً يقترب من حجم الدمار الذي شهدته البلاد في ذروة احتجاجات السترات الصفراء.
انتقادات لاستخدام القوة وإصابات خطيرة
وفي موازاة أعمال الشغب، تصاعد الجدل بشأن أساليب تعامل الشرطة مع المتظاهرين، خصوصاً استخدام أدوات تفريق الاحتجاجات والأسلحة المصنفة غير قاتلة. وبحسب روش، فإن عدد الإصابات البالغة الناتجة عن التدخلات الأمنية بلغ مستويات استثنائية مقارنة بالعقود الماضية، مشيراً إلى تسجيل ست حالات خطيرة خلال ثلاثة أسابيع، بينها إصابات أدت إلى فقدان أعين أو أيدٍ، وكان من بين المصابين قاصرون. وأثارت هذه الوقائع انتقادات واسعة ومطالبات بتشديد الرقابة على استخدام القوة خلال المظاهرات.
خلاف حول الجهات المسؤولة عن أعمال التخريب
وفي حين تُحمّل السلطات مجموعات متشددة من اليسار مسؤولية تأجيج العنف، يرى باحثون أن حجم هذه التنظيمات وطبيعة انتشارها لا يكفيان وحدهما لتفسير اتساع الاضطرابات. وأوضح روش أن التقديرات الأمنية تشير إلى وجود نحو ثلاثة آلاف شخص مرتبطين بهذه التيارات، موزعين على مجموعات مختلفة تفتقر إلى تنظيم موحد.
وأشار إلى اختلاف الدوافع بين المشاركين في أعمال العنف، إذ تستهدف بعض المجموعات منشآت تعتبرها رموزاً للرأسمالية، مثل المصارف وسلاسل المطاعم العالمية، بينما تركز مجموعات أخرى على سرقة المتاجر والاستيلاء على البضائع لتحقيق مكاسب مادية.
اعتقالات واسعة وتحقيقات قضائية
وكشفت البيانات الرسمية عن توقيف مئات الأشخاص في المدن الرئيسية، بينهم 855 في منطقة باريس، و199 في ليون، و101 في مرسيليا. وفي العاصمة، وُضع 557 شخصاً قيد الاحتجاز لدى الشرطة، وأفاد الادعاء العام بأن 78% منهم من البالغين. وتشمل أبرز التهم التي يجري التحقيق فيها الاعتداء على عناصر الأمن، وإلحاق أضرار بالممتلكات، والمشاركة في تجمعات يُشتبه بأنها تهدف إلى ارتكاب أعمال عنف.
ومع استمرار الدعوات إلى تحركات جديدة، تواجه السلطات الفرنسية تحدياً يتمثل في استعادة الهدوء وضمان حرية التظاهر السلمي، بالتزامن مع حماية الممتلكات العامة والخاصة ومنع تكرار المواجهات خلال الأيام المقبلة.
جارٍ تحميل الاستطلاع…