تتصاعد المخاوف بشأن مستقبل الاستقرار المالي والنقدي في لبنان، مع استمرار التوترات الإقليمية وتداعياتها على النشاط الاقتصادي، وسط تساؤلات حول قدرة البلاد على الحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة في ظل الضغوط المتزايدة على مصادر العملات الأجنبية. وتبرز هذه المخاوف خصوصاً مع احتمال تراجع تحويلات المغتربين والإيرادات السياحية، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الاستيراد نتيجة اضطرابات الأسواق العالمية وزيادة أسعار الطاقة والسلع الأساسية.

ويعتمد الاقتصاد اللبناني بصورة كبيرة على تدفقات الدولار من الخارج لتغطية احتياجاته، إذ تتراوح قيمة الواردات السنوية بين 20 و21 مليار دولار، مقابل نحو 6 مليارات دولار من تحويلات المغتربين الرسمية، و4.5 مليارات دولار من الصادرات السلعية، ونحو 5 مليارات دولار من العائدات السياحية. وتُضاف إلى هذه المبالغ تدفقات نقدية يحملها المسافرون، تُقدّر بصورة غير رسمية بنحو ملياري دولار سنوياً، لترتفع التدفقات المذكورة إلى نحو 17.5 مليار دولار، ما يشير إلى فجوة حسابية أولية تتراوح بين 2.5 و3.5 مليارات دولار. غير أن هذه الأرقام لا تمثل ميزان مدفوعات رسمياً، نظراً إلى احتمال تداخل بعض مصادر الأموال واختلاف طرق احتسابها.

وساهمت الأموال المتداولة خارج النظام المصرفي والمدخرات بالدولار التي يحتفظ بها المواطنون في تغطية جزء من الاحتياجات المالية خلال السنوات الماضية، إلا أن الاعتماد المستمر على هذه المصادر يثير القلق، خصوصاً أن المدخرات ليست مورداً متجدداً.

وتزداد التحديات مع تأثر القطاع السياحي بالتطورات الأمنية، واحتمال انخفاض التحويلات المالية من الخارج، في وقت يصعب فيه تقليص فاتورة الاستيراد نظراً إلى ارتباطها بمواد أساسية تشمل الغذاء والدواء والمحروقات ومستلزمات الإنتاج.

وفي مواجهة هذه المخاطر، تبرز مقترحات لاعتماد إجراءات اقتصادية استثنائية ومؤقتة، تقوم على الحد من استيراد بعض السلع غير الضرورية التي يمكن الاستغناء عنها أو توفير بدائل محلية لها، بهدف تخفيف الطلب على الدولار وحماية الاستقرار النقدي. كما تشمل الإجراءات المقترحة تعزيز الرقابة الجمركية، ومكافحة التهريب والتلاعب بالفواتير، وتحسين إدارة الواردات، مع ضمان عدم المساس بالمواد الغذائية والطبية والاحتياجات الأساسية للقطاعات الإنتاجية.

وتُظهر تجارب اقتصادية دولية أن تقييد الاستيراد قد يساهم في تقليص الإنفاق بالعملات الأجنبية على المدى القصير، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى ارتفاع الأسعار ونقص بعض السلع إذا طُبّق بصورة واسعة أو من دون ضوابط واضحة. لذلك، تبقى الحاجة ملحّة إلى اعتماد خطة اقتصادية متوازنة تجمع بين ترشيد الاستيراد وتعزيز الإنتاج المحلي وزيادة الصادرات، بالتوازي مع معالجة الاختلالات المالية والمصرفية.

وفي ظل هذه الظروف، يرى الطرح الاقتصادي الوارد في تقرير "نداء الوطن" أن التحرّك الوقائي المبكر قد يمنح لبنان فرصة أكبر لاحتواء الضغوط، وتجنّب انتقال الاضطرابات الإقليمية إلى أزمة جديدة تهدد القدرة الشرائية والاستقرار النقدي وسعر صرف الليرة اللبنانية.

جارٍ تحميل الاستطلاع…